روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

312

عرائس البيان في حقائق القرآن

الفراسات مقرونة بعلامات الظاهر ، وأنها تتم بما بدا من سيماء الوجوه ، ولحن القول والفراسة المحضة ما قال عليه الصلاة والسلام : « اتقوا فراسة المؤمن ؛ فإنّه ينظر بنور اللّه » « 1 » ، وبيّن أن ما يكون من الصدق في القول آثاره تبدو من السّماء وصدق القول وما يكون بخلاف ذلك ؛ فلذلك قال القاسم في قوله : وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ : أطلعناك على سرائرهم ، فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ فطنة ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ظاهرا ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ ، لا يقف على ما لهم من السعادة والشقاوة أحد . وقال أيضا : إن عند اللّه الأكابر والسّادة يعرفون صدق المريد من كذبه بسؤاله وكلامه ؛ لأن اللّه يقول : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ . [ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 37 إلى 38 ] إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ ( 37 ) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ ( 38 ) قوله تعالى : وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ « 2 » : وصف اللّه سبحانه نفسه بغنى القدم واستغنائه عن الكون وما فيه وأن خزائن جوده لا نهاية لها ، وغناه صفته الأزلية القائمة يحوي حواشي بحارها فقر أهل الأكوان والحدثان ، فيغنيهم بغناه الذي لا فقر بعده ، وحقائق معنى الخطاب للمتصفين بصفاته الذين وجدوا مقام الغنى من اللّه بعد أن كساهم الحق نور غناه وجرّدهم عن مقام الفقر ، الذي هو مستفاد من نعوت تنزيه القدم ؛ إذ كان ولامكان ولا وقت ولا زمان أي : أنتم وإن بلغتم إلى مقام الاتصاف بصفة غنائي فأنتم بعد فقراء ، إذ الوصف للموصوف لا للمتصف ، وأنه لا نهاية له . قال الجنيد : في موضع الغنى كسوة الحق . وقال سهل : معرفة علم السر كله للفقر ، وهو ستر اللّه ، وعلم الفقر إلى اللّه تصحيح علم الغنى باللّه .

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) قال القشيري : واللّه الغني لذاته بذاته ، ومن غنائه : تمكّنه من تنفيذ مراده ، واستغناؤه عما سواه ، وأنتم الفقراء إلى اللّه ، في نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، في الابتداء ليخلقكم ، وفي الوسط ليربيكم ، وفي الانتهاء يفنيكم عن أنانيتكم ، ويبقيكم بهويته ، فاللّه غني عنكم من الأزل إلى الأبد ، وأنتم الفقراء محتاجون إليه من الأزل إلى الأبد .